أحمد بن علي القلقشندي

88

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

القوم الجدّ في ردّهم ، والتجريد في صدّهم ، وأنه لا مطمع لهم في جنبة ( 1 ) إلى طاعة أمير المؤمنين انتسابها ، وبذمام سادتنا الأمراء اعتصامها ، اتّعظوا واتّزعوا ، وعرّجوا ورجعوا سالكين أقصد مسالكهم ، منتهجين أرشد مناهجهم ، معتمدين أعود الأمور على المسلمين عموما وعليهم خصوصا باجتماع الشّمل ، واتّصال الحبل ، وأمن السّرب ، وعذوبة الشّرب ، وسكون الدّهماء ، وشمول النّعماء ؛ فخطبوا الصّلح والوصلة ، وجنحوا إلى طلب السّلم والألفة ؛ وأن مولانا [ الأمير عضد الدولة ] ( 2 ) آثر الأحسن واختار الأجمل : فأجاب إلى المرغوب فيه إليه ، وتوسّط ما بين الأمير السيد ركن الدولة وبين تلك الجنبة فيه ، وتكفّل بتقريره وتمهيده ، وتحقّق بتوطيده وتشييده ، وأخرج أبا الحسن عابد بن عليّ إلى خراسان حتّى أحكم ذلك وأبرمه ، وأمضاه وتمّمه ، بمجمع من الشيوخ والصّلحاء ، ومشهد من القضاة والفقهاء ؛ وأنّ صاحب خراسان عاد على يد مولانا [ الأمير عضد الدولة ] ( 3 ) إلى طاعة مولانا أمير المؤمنين ومشايعته ، والإمساك بعلائق ولائه وعصمته ؛ وصار وليّا بعد العداوة ، وصديقا بعد الوحشة ، ومصافيا بعد العناد ، ومخالطا بعد الانفراد ، وفهمته . وتأمّلت - أيد اللَّه مولانا - ما في ذلك من ضروب النعم المتشعّبة ، وصنوف المنح المتفرّعة ، العائدة على الملك بالجمال ، وعلى الرعيّة بصلاح الحال ؛ الداعية إلى الائتلاف والاتفاق ، المزيلة للخلاف والشّقاق ؛ فوجدت النفع بها عظيما ، والحظَّ فيها جسيما ، وحمدت اللَّه حقّ حمده عليها ، وشكرته أن أجراها على يد أولى الناس بها ، وأحقّهم بالمكارم أجمعها ، وأن قرّب اللَّه بيمنه [ ما كان بعيدا معضلا ، ويسّر ببركته ] ( 4 ) ما كان ممتنعا مشكلا ؟ فأصلح ذات البين بعد فسادها ، وأخمد نيران الفتن بعد تلهّبها واتّقادها ، ووافق ما بين نيّات القلوب ، وطابق بين نخائل ( 5 ) الصدور ، وتحنّت الضلوع بنجح سعيه على

--> ( 1 ) الجنبة : الناحية والموضع . ( 2 ) الزيادة عن الطبعة الأميرية . ( 3 ) الزيادة عن الطبعة الأميرية . ( 4 ) الزيادة عن الطبعة الأميرية . ( 5 ) النخائل : جمع نخيلة وهي الشيء المنتخل أو الخالص المصفّى . ويقال : بذل له نخيلة قلبه : خالصه . وهو نخيلة نفسي : خالصي وخيرتي .